سيد محمد طنطاوي

222

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالأكل الانتفاع مطلقا ، وعبر عن ذلك به لكونه أعظم الانتفاعات ويستتبع سائرها . ومفعول « أكلوا » محذوف لقصد التعميم . أو القصد إلى نفس الفعل كما في قولهم : فلان يعطى ويمنع . وقوله : * ( مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ ) * مدح للقلة التي تستحق المدح من أهل الكتاب « وذم للكثيرين منهم الذين قبح عملهم وفسدت نفوسهم . والأمة : الجماعة من الناس الذين يجمعهم دين واحد . أو جنس واحد . أو مكان واحد . ومقتصدة من الاقتصاد وهو الاعتدال في كل شيء والمراد به هنا : السير على الطريق المستقيم الذي يوصل إلى الحق والخير ، وهو طريق الإسلام . والمعنى : من أهل الكتاب جماعة مستقيمة على طريق الحق ، وهم قلة آمنت بالنبي - صلى اللَّه عليه وسلم وإلى جوار هذه الجماعة القليلة المستقيمة عدد كبير من أهل الكتاب ساء عملهم ، وأعوج سلوكهم ، وكان من حالهم ما يثير العجب والدهشة . والمراد بهذه الأمة المقتصدة من أهل الكتاب من دخل منهم في الإسلام واتبع ما جاء به النبي - صلى اللَّه عليه وسلم . وبذلك نرى هاتين الآيتين قد بشرت أهل الكتاب بالسعادة الدنيوية والأخروية متى آمنوا باللَّه تعالى - واتبعوا ما جاء به رسوله محمد صلى اللَّه عليه وسلم . وبعد أن حكى اللَّه - تعالى - في الآيات السابقة ما كان عليه أعداء الإسلام - وخصوصا اليهود - من محاولات لفتنة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ومن دسائس حاكوها لعرقلة سير الدعوة الإسلامية ، ومن استهزاء بتعاليم الإسلام ومن حقد على المؤمنين لإيمانهم برسل اللَّه وكتبه ومن سوء أدب مع خالقهم ورازقهم . بعد أن حكى - سبحانه - كل ذلك ، أتبعه بتوجيه نداء إلى الرسول صلى اللَّه عليه وسلم أمره فيه بأن يمضى في تبليغ رسالته إلى الناس دون أن يلتفت إلى مكر الماكرين ، أو حقد الحاقدين . فإنه - سبحانه - قد حماه وعصمه منهم فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 67 ] يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه واللَّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّه لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ ( 67 )